الجاحظ

69

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

فإن كان ما فعلوا من ذلك [ روايات رووها عن أسلافهم ، و ] وراثات ورثوها عن أكابرهم ، فقد قاموا بأداء الأمانة ، ولم يبلغوا فضيلة من استنبط . وإن كانوا تركوا الدّلالة على علل الأمور التي بمعرفة عللها يوصل إلى مباشرة اليقين فيها ، وينتهى إلى غاية الاستبصار منها ، فلم يعدوا في ذلك منزلة الظنّ بها . ولن تجدوا وصايا أنبياء اللّه أبدا إلّا مبيّنة الأسباب ، مكشوفة العلل ، مضروبة معها الأمثال . [ 2 موضوع الكتاب ] فألّفت لك كتابي هذا إليك ، وأنا واصف لك فيه الطباع التي ركب عليها الخلق ، وفطرت عليها البرايا كلّهم ، فهم فيها مستوون ، وإلى وجودها في أنفسهم مضطرّون ، وفي المعرفة بما يتولّد عنها متّفقون . ثمّ مبيّن لك كيف تفترق بهم الحالات ، وتفاوت بهم المنازل ، وما العلل التي يوجب بعضها بعضا ، وما الشيء الذي يكون سببا لغيره ، متى كان الأوّل كان ما بعده ، وما السّبب الذي لا يكون الثّاني فيه إلا بالأوّل ، وربّما كان الأول ولم يكن الثاني . وفرق ما بين الطّبع الأول وبين الاكتساب والعادة التي تصير طبعا ثانيا . ولم اختلف ذلك ؟ وكيف دواعي قلوب الناس ، وما منها يمتنعون عنه ، وما منها لا يمتنعون منه . وحتى تؤنس بعد الوحشة ، وتسكن بعد النّفار ؟ وكيف يتأتّى لينقض ما فيهم من الطباع المذمومة حتّى تصرف إلى الشّيم المحمودة ؟ وراسم لك في ذلك أصولا ، ومبيّن لك مع كلّ أصل منها علّته وسببه . وقد علمت أنّ في كثير من الحقّ مشبّهات لا تستبان إلّا بعد النظر ، وهناك يختل الشّيطان أهل الغفلة ، وذاك أنّه لا يجد سبيلا إلى اختداعهم عن الأمور الظاهرة . فلم أدع من تلك المواضع الخفيّة موضعا إلّا أقمت لك بإزاء كلّ شبهة منه